الأب مينا البير/ الكومبوني

يدعونا عيد قلب يسوع الأقدس إلى الدخول في أعمق أسرار محبة الله. فقلب يسوع ليس مجرد رمز؛ بل هو الإعلان الحي لرحمة الله وشفقته وحنانه وتضحيته من أجل البشرية. وعندما نتأمل قلب المسيح المثقوب، نرى محبة لا تفقد الأمل أبدًا في البشرية، محبة تواصل البحث عن الضالين، وتشفي الجرحى، وتخلّص العالم.

بالنسبة لنا نحن الذين نتبع روحانية القديس دانيال كومبوني وروحه التبشيرية، يصبح قلب يسوع الأقدس مركز الحياة التبشيرية، ومصدر رسالته. لقد أدرك كومبوني نفسه أن الرسالة لا تنطلق من الاستراتيجيات أو القوة البشرية، بل من اللقاء بقلب المسيح. وكان يتحدث كثيرًا عن «قلب الراعي الصالح» الذي يحترق حبًا لجميع الشعوب، ولا سيما أفقرهم وأكثرهم تهميشًا.

في إنجيل يوحنا، بعد وفاة يسوع على الصليب، طعن الجندي جنبه، فخرج منه على الفور دم وماء (يوحنا 19:34). ترى الكنيسة في هذه اللحظة انفتاح قلب المسيح — ينبوع النعمة والرحمة والحياة الجديدة. وتحمل هذه اللحظة أهمية لاهوتية هائلة:

ينبوع النعمة: يرمز الدم والماء إلى ولادة الكنيسة وأسرار المعمودية والإفخارستيا. وهو يمثل حبًا لا ينغلق على نفسه حتى عند الرفض، بل ينفتح ليصب الحياة.

الماء الحي: هذا يحقق دعوة المسيح السابقة في يوحنا 7:37-38: «فليأتِ إليّ كل من يعطش، وليشرب من يؤمن بي. كما قال الكتاب: “من قلب المؤمن ستتدفق أنهار من الماء الحي”».

الروحانية الكومبونية للقلب المقدس

1. قلب محبة بلا حدود: الراعي الصالح

قلب يسوع هو قلب يحب البشرية حباً كاملاً بلا حدود. حتى عندما تعرض يسوع للرفض والخيانة والسخرية والصلب، استمر في الغفران والمحبة. اليوم، عالمنا مجروح بشدة بسبب العنف والأنانية والحروب والانقسامات والوحدة، مما يجعل الكثير من الناس يشعرون بأنهم منسيون. ومع ذلك، يدعونا يسوع قائلاً: «تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم» (متى 11: 28). وهذا يذكرنا بأن الله لا يتخلى أبداً عن شعبه.

يرى الاباء الكومبونيون هذا القلب المقدس من منظور المسيح الراعي الصالح، تمامًا كما في قصص الكتاب المقدس (لوقا 15). هذا القلب واسع بما يكفي لاستقبال الجميع، ولكنه رقيق بما يكفي ليهتم بشدة بشخص واحد يعاني. يُطلب من المبشرين أن يحبوا بهذه الطريقة بالذات. من خلال إعطاء أنفسهم بالكامل والمشاركة في فقر الآخرين، يجلبون محبة المسيح اللامحدودة إلى عالم متألم.

2. قلب تبشيري: الخروج إلى العالم

قلب يسوع لا ينغلق أبدًا على ذاته؛ بل يخرج بحثًا عن الخراف الضالة. فالرسالة التبشيرية الحقيقية تنبع مباشرة من هذا التعاطف العميق. وهذا بالضبط ما ألهم القديس دانيال كومبوني. فمن خلال الصلاة أمام الصليب والتأمل في جنب المسيح المثقوب، أدرك كومبوني أن محبة الله تشمل كل أمة وكل شعب. ورأى في القلب المثقوب المصدر الأسمى للقوة في الرسالة التبشيرية.

ولأن كومبوني آمن بأن كل شخص على حدة عزيز على قلب يسوع، كرس حياته لأفريقيا وابتكر شعاره الشهير: «إنقاذ أفريقيا مع أفريقيا». لم تكن هذه مجرد استراتيجية؛ بل كانت انعكاساً حقيقياً للقلب المقدس. إنه حب يحترم كرامة الناس ويمنحهم القوة لتشكيل مستقبلهم بأنفسهم. كان كومبوني يعلم أن هذا النوع من الحماس التبشيري يتطلب التزاماً تاماً.

وقد علّم أن المرسل لا يمكن أن يكون مجرد عامل عادي، بل يجب أن يكون شخصًا يحب المسيح حبًّا حقيقيًّا، ومستعدًّا لمواجهة التضحية والمعاناة وحتى الموت حبًّا لشعب الله.

3. الصليب: الحب الحقيقي يضحي بنفسه.

لا يمكن فصل قلب يسوع عن الصليب، لأن الحب الحقيقي يضحي بنفسه دائمًا. في عالم يسعى غالبًا وراء الراحة والمصلحة الذاتية، يُظهر لنا المسيح أن الحب الحقيقي يتخلى عن كل شيء. بالنسبة للقديس دانيال كومبوني، كان الدخول إلى «القلب المقدس» يعني الدخول في سر الصليب هذا. وكان معروفًا عن إيمانه بأن أعظم أعمال الله يجب أن تنمو عند سفح الجلجثة.

وهذا يتطلب عملية «التجرد» — أي إفراغ الذات تمامًا من الكبرياء والراحة والأنانية لخدمة الآخرين، تمامًا كما فعل يسوع عندما اتخذ هيئة خادم (فيلبي 2: 5-8). طوال حياته، واجه كومبوني مرضًا رهيبًا، ورفضًا، وفقرًا، والعديد من الإخفاقات. ومع ذلك، لم يفقد الأمل أبدًا لأن قوته كانت تنبع من قلب يسوع. وعندما يواجه المرسلين «صلبانًا» ثقيلة اليوم، فإنهم لا ينظرون إليها على أنها إخفاقات. بل ينظرون إليها على أنها لحظات تتحول فيها الضعف البشري بشكل جميل إلى محبة خلاصية وفادية.

4. جماعة الرسل: نور لمحاربة اللامبالاة.

لم يرغب كومبوني في أن يعمل مبشروه كأفراد منعزلين. بل تصوّرهم على أنهم «عشية الرسل»، على غرار التلاميذ الأوائل الذين اجتمعوا في العلية في عيد العنصرة. وقد وصف هذه الجماعة بشكل جميل بأنها نور ساطع ومركزي، يبعث أشعة دافئة لتكشف عن طبيعة المركز الذي تنبثق منه.

والقلب المقدس هو ذلك المركز بالضبط. يجتمع المجتمع حوله ليشتعل بالحب والطاقة. لكنهم لا يبقون في الداخل؛ بل يتفرقون ليحملوا ذلك الدفء والنور إلى العالم. هذه الحياة المجتمعية النشطة هي بالضبط الطريقة التي

يكافح المرسلين ما يسميه البابا فرنسيس «عولمة اللامبالاة» — تلك الحقيقة المحزنة التي يغلق فيها الناس قلوبهم ويتوقفون ببساطة عن الاهتمام بمعاناة الآخرين.

5. قلب يدعونا إلى القداسة.

في النهاية، القلب المقدس ليس مجرد شيء ننظر إليه ونعجب به؛ بل هو قلب نحن مدعوون إلى الاقتداء به في حياتنا اليومية. يدعونا القديس بولس إلى أن «تكون بينكم نفس الروح التي كانت في المسيح يسوع» (فيلبي 2: 5).

أن نعيش حقًا بقلب يسوع يعني: أن نغفر بدلًا من السعي للانتقام.

أن نخدم بدلاً من محاولة السيطرة على الآخرين. أن نحب بدلاً من أن نحكم على الآخرين. أن نهتم بشكل خاص بالفقراء والمهملين.

تترك لنا هذه الروحانية أسئلة قوية للتأمل فيها: هل أشعر حقاً بالرحمة تجاه الآخرين؟ هل أنا مستعد لحمل أعباء إخوتي وأخواتي؟ هل قلبي منفتح حقاً على مشيئة الله؟ هل أنا مستعد لأن أصبح مبشراً بالمحبة في عائلتي، أو رعيتي، أو مجتمعي، أو مجتمعي المحلي؟

خاتمة

اليوم، يدعونا قلب يسوع الأقدس إلى العودة إلى منبع الحب الحقيقي. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الكراهية أو اللامبالاة أو الأنانية. بل يحتاج إلى قلوب قد غيّرها المسيح.

فليجعل قلب يسوع قلوبنا: متواضعةً كقلبه، ورحيمةً كقلبه، ومبشرةً كقلبه، ومؤمنةً كقلبه.

وبشفاعة القديس دانيال كومبوني، فلنصبح شهودًا لمحبة الله لجميع الشعوب، ولا سيما أفقرهم وأكثرهم تهميشًا.

آمين.

By mudir